مربع نص:  
 
الغزو الرابع للصحراء
 
   أثار تحقيق «الوادى الأوسط» الذى نشرته روزاليوسف قبل أسبوعين بارقة أمل حقيقية فى تجاوز الماضى بأحماله والحاضر بهمومه.. ولماذا   لانكسر عادتنا الأثيرة فى البكاء على الإطلال وننطلق فى اتجاه المستقبل؟! مستقبل أكثر رحابة يستوعب الأجيال المقبلة.. فابنك هو الذى يأتى بعدك وليس الطوفان. والحوار ابتداء من هذا العدد يفرد صفحاته للتعليقات والدراسات والآراء التى تساهم فى إثراء المشروع وتحويله من خطوط على ورق إلى حقيقة تعود فوائدها المركبة على مصر والمصريين.. ونستهلها بمقالين.. الأول يقدم مساهمة فكرية متخصصة حول المشروع الذى وضع حجر أساسه د.فاروق الباز ويكمله بفكرة مدهشة، والثانى يطرح اقتراحات للتنفيذ، تقريبا يحدد النقطة التى يمكن منها أن نبدأ. 

مع توجه الدولة لتبنى مقترح د. فاروق الباز نجد أن التعامل مع الصحراء لابد أن يأخذ مدخلاً مختلفاً عن المعتاد، وتعتبر من المفارقات الملحوظة أن نسبة عدد سكان الصحراء المصرية إلى مجموع عدد سكان مصر تكاد تكون نفس نسبة مساحة وادى النيل إلى مساحة مصر، مما حدا إلى التفكير الدائم نحو غزو الصحراء أو اختراقها، وقد عبر جمال حمدان عن ذلك فى كتاب «شخصية مصر.. دراسة عبقرية المكان» بأن قال: 
«ليس سهلاً، مع ذلك غزو الصحراء، لأنه ليس نزهة جغرافية أو حضارية، وإنما هو صراع كفاحى ضد الطبيعة ومعركة حقيقية ضد العنصر، والعملية مخاطرة ريادية تحتمل الفشل والنكسات قدر ما تحمل من النجاحات، ومن الأسف أن المحاولات الثلاث الأولى لاستصلاح أرض الصحراء وتعميرها فى العقدين أو الثلاثة الأخيرة (كان يعنى خمسينيات وستينيات وسعبينيات القرن الماضى)، سواء على تخوم الوادى نفسه أو فى واحات قلبها، وهى مشروع مديرية التحرير ووادى النطرون والوادى الجديد، تعثرت بدرجات متفاوتة وانتظمت كثيراً من الخسائر ولم تحقق فى تقدير الأغلبية النجاح المرجو أو المرموق». 

أشير لكلمة غزو الصحراء حيث وجدت فى كثير من المراجع العلمية والأوساط الثقافية، ويهمنا فى هذا الصدد الإشارة إلى أنه لابد من تغيير المفاهيم الخاصة بإنماء الصحراء وبالمتطلبات اللازمة لهذا الإنماء، لذلك وجدنا أنه لزاماً علينا أن نغير من منطوق الكلمة إذا كان الهدف تغيير متطلبات مدلولها. 

حيث تعنى كلمة غزو الصحراء والأصل «غ ز ا- والاسم الغزاة» أن ما سيتم فيها هو استيطان غير شرعى بالجبر والقوة والإرغام، وأن الهدف من غزو المكان هو استنزاف الموارد والثروات الكامنة فى الصحراء سواء كانت ثروات تعدينية أو زراعية على مصدر مائى محدود أو غيرها وتركها بمجرد انتهاء المخزون والمصدر، وفى الماضى أطلقت كلمة الفتوحات الإسلامية بدلاً من غزوات لأن الهدف كان الإعمار فى الأرض واستدامة هذا الإعمار لذلك دامت واستمرت هذه الفتوحات والتى كان هدفها الأساسى نشر الدعوة، وعليه فإن المقصود والمدلول الفعلى للاتجاه نحو الصحراء هو إنماؤها أو فتح الصحراء، والكلمة تعزز من مفهوم أسلوب التعامل مع البيئة الصحراوية من منظور التعايش وليس الغزو. 
وعليه حتى يكون مفهوم فتح الصحراء منطقياً مع التفكير فى التخطيط الإقليمى فإنه لابد من طرح قضايا البيئة بمستوياتها المتدرجة. ويجب أن نشير إلى العناصر الأربعة المعنية بالإشكالية البيئية المطروحة لفتح الصحراء وهى أولاً: السكان وما سيرتبط بهذا العنصر من قضايا مكانية ومياه وطاقة وغذاء وغيرها من المتطلبات. 

ثانياً: التقنية وما سيتضمنه من أسلوب إنتاج الغذاء والتخلص من المخلفات والصناعة والطاقة وغيرها من أساليب التعايش مع البيئة والتأثير فيها. 

ثالثاً: الاستهلاك وهى قدرة كل الأطراف فى المشاركة فى المنفعة من المصادر البيئية المتاحة وما يتضمن ذلك من موارد مائية وأراض زراعية وثروات تعدينية وحتى الهواء نفسه. ورابعاً وأخيراً: الاستدامة والتواصل وهى القدرة على بناء أنظمة من استعمالات الأراضى واستغلال الثروات بما يسمح بالتوازن البيئى ودون استنزافها». 

ومما لا شك فيه أن توافر المعلومات والدراسات المختلفة واستخدام صور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية GIS هو المحور الرئيسى للتنمية المستديمة، وذلك لمساندة صانعى القرار فى اتخاذ القرارات الصائبة، وقد يتطلب ذلك إعادة ترتيب وتنظيم شامل لجميع المؤسسات والهيئات المعنية بهذه الدراسات، واستحداث وتوفيق جميع القوانين والتشريعات المنظمة لهذه المجالات. 

ذكر فى الوثيقة الخاصة بالقرن الواحد والعشرين فيما يختص عن بعض التساؤلات التى تتناول مشروع تنمية جنوب مصر يوليو 1997 (والتى تبلور منها مشروع توشكى إحدى المحاولات الجارية لمستقبل مصر). «وكأى مشروع جديد لابد أن تصاحبه فورة عاطفية تجنح إلى المبالغة فى التفاؤل وصدود معارض يجنح إلى الإغراق فى التشاؤم، وبين هذين الطرفين يأتى حديث العقل الواثق الذى يبدأ بالتساؤل: هل بمقدور مصر أن تعمل وتنمو فى إطار الوادى القديم وحده تاركة 95% من مساحتها رصيداً معطلاً؟ وماذا يمكن أن يحدث بدون مشروع ضخم شامل خارج الوادى بعد ربع قرن على سبيل المثال؟». 

ومن جهة أخرى اقترح د. فاروق الباز فى مقاله فى سبتمبر 2005 ممر التعمير فى الصحراء الغربية كوسيلة لتأمين مستقبل الأجيال المقبلة فى مصر: «يعيد هذا المقال طرح مقترح كنت قد قدمته منذ سنوات بغرض إنشاء طريق بالمواصفات العالمية فى صحراء مصر الغربية يمتد من ساحل البحر المتوسط شمالاً حتى بحيرة ناصر فى الجنوب وعلى مسافة تتراوح بين 10 و80 كيلو متراً غرب وادى النيل، يفتح هذا الممر آفاقاً جديدة للامتداد العمرانى والزراعى والصناعى والتجارى حول مسافة تصل إلى 2000 كيلو متر، ولأن مصر فى حاجة ماسة إلى مخرج من الوضع الاجتماعى الصعب فى الوقت الحالى بالذات، فإننى أعيد طرح المقترح، عله يتم النظر فيه بجدية، وربما للتنفيذ بأموال مستثمرين من القطاع الخاص الوطنى أولاً ثم العربى ثانياً ثم العالمى ثالثاً». 

وسواء كان المقترح ممر التنمية والتعمير- وثيقة القرن- توشكى فإن الهدف الأساسى تنمية مستقبلية لمصر: «وخلق واد جديد يمتد بمحاذاة الوادى القديم ليستوعب طموحات الأجيال القادمة»، فى محاولة جادة لتصحيح الاختلالات الحادة فى نمط توزيع الاستثمار والسكان، وهنا لابد أن يثار التساؤل: كيف ومتى ومن هم مستوطنو مصر المستقبل؟ سنجد أن طفل اليوم وحفيد الغد هما المستهدفان، ومزج سبل العلم مع الخيال هو ما يلجأ إليه الساسة والفلاسفة لصنع المستقبل وتغيير الواقع، والعلم له ثوابته، أما الخيال فلابد أن يمتد لما نسميه «غير المبحوث» أو «غير المطروق»، وتتمثل الصعوبات فى أن مجال البحث المستقبلى فى مصر، وإن لم يكن حديث النشأة تماماً، إلا أن ما أنجز فيه من بحوث كان قليل العدد وتم فى فترات متباعدة، بل وكثيراً ما كان يتوقف قبل أن يكتمل نموه وفق ما أعد له من خطط، ولذلك لم يتراكم للبحوث المستقبلية تراث كبير يمكن لمن يتصدى لها الرجوع إليه والاغتراف منه. 

وفى تفكيرنا لمستقبل مصر يمكننا طرح السؤال؟ ماذا كان يحدث لو أن نوحاً عليه السلام لم يصنع سفينته قبل الغرق الكبير؟ هل كانت هناك حينذاك حياة على وجه الأرض؟ فالقضية هنا: كيف سيعيش أبناؤنا؟ وماذا ينتظرنا فى المستقبل القريب؟ وعمل دراسات مستقبلية للتنمية يتطلب قاعدة معرفية تساعد على اختيار المستقبل الأفضل لمصر. تتكون هذه القاعدة المعرفية من شقين: الشق الأول: التعليم وبناء الذات وفهم التقنية والسرعة التى تتم فى التغيير مما يمكن أن يخلق تصورات بديلة للتنمية المستدامة لإعمار مصر بالصحراء فى مختلف المجالات، وهو ما يطلق عليه سيناريوهات، الشق الثانى: تقدير لمنافع وتكاليف واستمرار التنمية كل سيناريو، وتصور لحالة الإنسان والمجتمع التى يتمخض عنها كل سيناريو للتنمية المستدامة فى المستقبل. 
من هذا المنطلق تتطلب المرحلة الأولى من الرؤى المختلفة لسيناريوهات التنمية التركيز فى الخطوات المهدفة (The process) بدلا من استعجال نوعية المنتج The product)) وهو ما كان سببا فى فشل أو تعثر المحاولات السابقة التى ارتبطت بحكومات أو أفراد بدلا من أن يكون مشروع شعب وهو ما يستهدفه العالم فاروق الباز فى مقترحه وعنه يقول: «وياحبذا لو بدأ التفكير منذ لحظة الانطلاق بمشاركة أوسع شريحة ممكنة من الناس، فيمكن لكل محافظة مثلا البدء فى إعداد قائمة بمشروعات التنمية وأولوياتها بناء على احتياجاتها الحقيقية وفى ضوء مواردها من العمالة الفنية اللازمة وقدراتها الأخرى، وفى نفس الوقت يجب عدم المساس باستقطاب عمالة أجنبية للعمل فى المشروع مهما كانت الأسباب لأن المصرى أو المصرية يمكن تدريبهما للقيام بأى عمل كان وبأعلى مستويات الأداء العالمية، وكذلك يمكن تشجيع شباب الجامعات من خلال مسابقات لاختيار مشاريع تنمية تقام فى محافظاتهم حتى طلبة المدارس يمكنهم المشاركة بمسابقات لاختيار متمثلة فى المقترح والمشروع ليتحول إلى أمر شعبى ولا يرتبط بحكومة وأفراد بها أو لمدة ووقت محدد وإنما يمتد ليكون وسيلة للحياة بشراكة جميع الأطراف فإن المقترح لابد أن يتم تدارسه من الجميع وإعلام الجميع بالقضية والمقترح والهدف، وأن التعليم والشباب والإعلام لها دور أساسى فى مرحلة الدراسة. 

وفى ضوء التركيز على الخطوات المهدفة للتنمية أو عملية الاعمار بدلا من التركيز وتعجل المنتج للمجتمع أن يختار بين مسار أو آخر من المسارات البديلة لمستقبل إعمار صحراء مصر، ويلتفوا حوله، أو يرشحوا بديلا آخر فى ضوء تشاركهم فى وضع سيناريوهات مستقبل مصر، ومن خلال التفاعل مع هذه المعلومات يتحقق أمران على قدر عظيم من الأهمية أولهما: تنمية رأى عام مهتم بمستقبل مصر، ورفع مستوى الوعى العام بالقضايا والتحديات التى يحملها مستقبل التنمية المستدامة فى طياته، والنهوض بالحوار حولها وثانيهما: بلورة منهج جديد فى إدارة شئون المجتمع والدولة، تتأسس فيه عملية اتخاذ القرارات على ركائز متينة من المعرفة الشاملة والمركبة بالواقع والنظرة متعددة ومتفاعلة التخصصات إلى المستقبل. ومع توجه الدولة توازيا لعمل مشروعات إعادة تخطيط القرية المصرية وعمل حدود الحيز العمرانى فإن التوجه للمحاور التنموية والظهير الصحراوى أصبح واقعا مستقبليا لا يمكن أن نتجاهله بل لابد من مواجهته وتسليح الجيل القادم والأجيال المستقبلية نحو فهم وتحمل مسئولياته.